ابن قيم الجوزية
148
الروح
يوم القيامة دخلوا منازلهم ومقاعدهم التي كانوا يعرضون عليها في البرزخ فتنعم الأرواح بالجنة في البرزخ شيء ، وتنعمها مع الأبدان يوم القيامة بها شيء آخر ، فغذاء الروح من الجنة في البرزخ دون غذائها مع بدنها يوم البعث ، ولهذا قال : « تعلق في شجر الجنة » أي تأكل العلقة ، وتمام الأكل والشرب واللبس والتمتع فإنما يكون إذا ردت إلى أجسادها يوم القيامة ، فظهر أنه لا يعارض هذا القول من السنن شيء ، وإنما تعاضده السنّة وتوافقه . وأما قول من قال : إن حديث كعب في الشهداء دون غيرهم ، فتخصيص ليس في اللفظ ما يدل عليه وهو محل اللفظ العام على أقل مسمياته : فإن الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين قليل جدا ، والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم علق هذا الجزاء بوصف الإيمان ، فهو المقتضي له ولم يعلقه بوصف الشهادة ، ألا ترى أن الحكم الذي اختص بالشهداء علق بوصف الشهادة كقوله في حديث المقدام بن معد يكرب : « للشهيد عند اللّه ست خصال ، يغفر له في أول دفقة من دمه ، ويرى مقعده من الجنة ، ويحلى حلة الإيمان ، ويزوج من الحور العين ، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار ، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ، ويزوج اثنتين ، وسبعين من الحور العين ، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه » ، فلما كان هذا يختص بالشهيد قال : إن للشهيد ولم يقل إن للمؤمن ، كذلك قوله في حديث قيس الجذامي يعطي الشهيد ست خصال ، وكذلك سائر الأحاديث والنصوص التي علّق فيها الجزاء بالشهادة . وأما ما علق فيه الجزاء بالإيمان فإنه يتناول كل مؤمن شهيدا كان أم غير شهيد . وأما النصوص والآثار التي ذكرت في رزق الشهداء وكون أرواحهم في الجنة فكلها حق ، وهي لا تدل على انتفاء دخول أرواح المؤمنين الجنة ، ولا سيما الصديقين الذين هم أفضل الشهداء بلا نزاع بين الناس ، فيقال لهؤلاء : ما تقولون في أرواح الصديقين هل هي في الجنة أم لا ؟ . فإن قالوا أنها في الجنة - لا يسوغ لهم غير هذا القول - فثبت أن هذه النصوص لا تدل على اختصاص أرواح الشهداء بذلك ، وإن قالوا : ليست في